الجصاص

295

الفصول في الأصول

أخبارهم ونقلهم لها ، ومن كان كذلك عدم العلم بها ، فصاروا بمنزلة العامي الذي لا يعتد به في الإجماع ، ولا الاختلاف ، لعدم علمه بأصول الشرع التي عليها مبني فروعه . فإن قال قائل : إن كنت لا تعتد بمن ( 1 ) ثبت ضلاله في الإجماع ، ولا تعد خلافه خلافا لأجل ما ثبت من ضلاله وفسقه ، فالذي يلزمك على هذا الأصل : أن لا تعتد بخلاف ( من ثبت ) ( 2 ) فسقه من جهة الأفعال ، وإن كان صحيح الاعتقاد ، لأن الفاسق على أي وجه كان فسقه لا يكون من شهداء الله تعالى ، ولا ممن حكم له بالعدالة ، وأناب إليه . قيل له : كذلك نقول : إن من ثبت فسقه لم يعتد بخلافه ، ولا يعتبر إجماعه ، وكيف يعتد به في الإجماع والاختلاف ، وهو لا تقبل شهادته ولا فتياه ! ! فإن قال قائل : فهل ( 3 ) تجوزون على هذه الجماعة التي انعقد بها الإجماع : الانتقال عن حال العدالة إلى غيرها من الضلال والكفر ؟ قيل له : من الناس من لا يجيز ذلك ، لأنه لما ثبت أنهم شهداء الله تعالى في لزوم قولهم امتنع خروجهم عن هذه الحال إلى غيرها ، لأنه يوجب بطلان حجة الله تعالى . ألا ترى أن قول الأنبياء عليهم السلام ، لما كان حجة على أمتهم ، لم يجز عليهم التبديل والتغيير والانتقال عن الحال التي هم عليها ؟ ( 4 ) ومن الناس من يجيز ذلك على هذه الجماعة ، إذا قام غيرهم بدلا منهم ، لئلا تخلو الأمة من أن يكون فيها قوم متمسكون بالإيمان ، قائمون بحجة الله تعالى ، التي هي الإجماع ، وجعلوا ( 5 ) انتقالهم عن ذلك بمنزلة موتهم . قال أبو بكر : وأي القولين صح من ذلك فإنه لا يخل بحجة الإجماع ، لأن الأمة ( 6 ) لا تخلو في الحالين من أن يكون فيها شهداء الله تعالى ، ومن أن يكون إجماعهم حجة . ( 7 )